الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
207
مناهل العرفان في علوم القرآن
والحيرة أنه سحر ، لأنه أخذ من النثر جلاله وروعته ، ومن النظم جماله ومتعته ووقف منهما في نقطة وسط خارقة لحدود العادة البشرية ، بين إطلاق النثر وإرساله ، وتقييد الشعر وأوزانه . ولو أنصف هؤلاء لعلموا أنه كلام منثور لكنه معجز ليس كمثله كلام ، لأنه صادر من متكلم قادر ليس كمثله شئ . وما هو بالشعر ولا بالسحر ، لأن الشعر معروف لهم بتقفيته ووزنه وقانونه ورسمه ، والقرآن ليس منه ؛ ولأن السحر محاولات خبيثة لا تصدر إلا من نفس خبيثة ، ولقد علمت قريش أكثر من غيرهم طهارة النفس المحمدية وسموها ونبلها ، إذ كانوا أعلم الناس به وأعرفهم بحسن سيرته وسلوكه ، وقد نشأ فيهم وشب وشاب بينهم . هذا إلى أن القرآن كله ، ما هو إلا دعوة طيبة لأهداف طيبة ، لا محل فيها إلى خبث ورجس ، بل هي تحارب السحر وخبثه ورجسه ، وتسمه بأنه كفر ، إذ قال : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ . ثم إن السحر معروف المقدمات والوسائل ، فليس بمعجز ، ولا يمكنه ولن يمكنه أن يأتي في يوم من الأيام بمثل هذا الذي جاء به القرآن . عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فلما قرأ عليه القرآن كأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال له : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك ما لا ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله ( بكسر القاف وفتح الباء ) . قال الوليد لقد علمت قريش أنى من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره . قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم من رجل أعلم منى بالشعر لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن . واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . وو اللّه إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمنير أعلاه ، مشرق أسفله ، وإنه ليعلوا ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته ! قال أبو جهل للوليد : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه فقال الوليد : دعني أفكر . فلما فكر قال : هذا سحر يأثره عن غيره وفي ذلك نزل